محمد بن أبي بكر الدماميني
96
شرح الدماميني على مغني اللبيب
أحدها : التوقّع ، وذلك مع المضارع واضح كقولك : « قد يقدم الغائب اليوم » إذا كنت تتوقّع قدومه . وأما مع الماضي فأثبته الأكثرون . قال الخليل : يقال « قد فعل » لقوم ينتظرون الخبر ، ومنه قول المؤذّن : « قد قامت الصلاة » ؛ لأن الجماعة منتظرون لذلك . وقال بعضهم : تقول : « قد ركب الأمير » لمن ينتظر ركوبه ، وفي التنزيل : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ [ المجادلة : 1 ] لأنّها كانت تتوقّع إجابة اللّه سبحانه وتعالىلدعائها . وأنكر بعضهم كونها للتوقّع مع الماضي ، وقال : التوقّع انتظار الوقوع ، والماضي قد وقع . وقد تبيّن بما ذكرنا أن مراد المثبتين لذلك أنها تدلّ على أن الفعل الماضي كان قبل الإخبار به متوقّعا ، لا أنه الآن متوقّع . والذي يظهر لي قول ثالث ، وهو أنها قد لا تفيد التوقّع أصلا ، أما في المضارع فلأن قولك : « يقدم الغائب » يفيد التوقّع بدون « قد » ؛ إذ الظاهر من حال المخبر عن مستقبل أنه متوقّع له ، وأما في الماضي فلأنه لو صحّ إثبات التوقّع لها ، بمعنى أنّها تدخل على ما هو متوقّع ، لصحّ أن يقال في « لا رجل » بالفتح إن « لا » للاستفهام لا تدخل إلا جوابا لمن قال : هل من رجل ، ونحوه ، فالذي بعد « لا » مستفهم عنه من جهة شخص آخر ، كما أن الماضي بعد « قد » متوقّع كذلك . وعبارة ابن مالك في ذلك حسنة ، فإنه قال : إنها تدخل على ماض متوقّع ، ولم يقل إنها تفيد التوقّع ، ولم يتعرّض للتوقع في الداخلة على المضارع البتة ، وهذا هو الحقّ . الثاني : تقريب الماضي من الحال ، تقول : « قام زيد » فيحتمل الماضي القريب والماضي البعيد ، فإن قلت « قد قام » اختصّ بالقريب . وانبنى على إفادتها أحكام : أحدها : أنها لا تدخل على « ليس » و « عسى » و « نعم » و « بئس » لأنهن للحال ؛ فلا معنى لذكر ما يقرّب ما هو حاصل ؛ ولذلك علّة أخرى ، وهي أن صيغهنّ لا يفدن الزمان ، ولا يتصرّفن ، فأشبهن الاسم ، وأما قول عديّ [ من الكامل ] : 74 - لولا الحياء ، وأنّ رأسي قد عسا * فيه المشيب ، لزرت أمّ القاسم « 1 » ف « عسى » هنا بمعنى « اشتدّ » ، وليست « عسى » الجامدة
--> ( 1 ) البيت من البحر الكامل ، وهو لعدي بن الرقاع في الأغاني 9 / 354 ، وبلا نسبة في كتاب اللامات ص 129 .